صديق الحسيني القنوجي البخاري

289

فتح البيان في مقاصد القرآن

يكون من الجود ، وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الردّ عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد الواحدة لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه . وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة يقتضيها المقام أي كلا ليس الأمر كذلك بل يداه مبسوطتان يعني : هو جواد كريم على سبيل الكمال ، وحكى الأخفش عن ابن مسعود أنه قرأ بل يداه بسيطتان أي : منطلقتان . ويد اللّه صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه فيجب علينا الإيمان بها والتسليم وإثباتها له تعالى وإمرارها كما جاءت في الكتاب والسنة بلا كيف ولا تشبيه ولا تعطيل ، قال تعالى : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم عن يمين الرحمن : « وكلتا يديه يمين » « 1 » فالجارحة منتفية في صفته عزّ وجلّ ، والجهمية أنكروها وتأولوا بالنعمة والقدرة وهم المعطلة ، وهذا الانتفاء إنما هو عند المؤمنين ، وأما اليهود فإنهم مجسمة فيصح حمل اليد عندهم على الجارحة بحسب اعتقادهم الفاسد . يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده سبحانه أي : إنفاقه على ما تقتضيه مشيئته وحكمته ، فإن شاء وسع وإن شاء قتر ، لا اعتراض عليه ، فهو القابض الباسط فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة لا شيء آخر ، فإن خزائن ملكه لا تفنى ومواد جوده لا تتناهى ، قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ [ الشورى : 27 ] وقال : يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [ الرعد : 26 ] . وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « يد اللّه ملأى لا تغيضها نفقة سحّاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ينقص ما بيده ، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يرفع ويخفض » « 2 » أخرجه البخاري ومسلم ، وفي الباب أحاديث . وَلَيَزِيدَنَّ اللام هي لام القسم أي واللّه ليزيدن كَثِيراً مِنْهُمْ من علماء اليهود والنصارى ورؤسائهم ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً إلى طغيانهم وَكُفْراً إلى كفرهم ، عن قتادة قال حملهم حسد محمد صلى اللّه عليه وسلم والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإمارة حديث 18 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 11 ، باب 2 ، والتوحيد باب 19 ، 22 ، ومسلم في الزكاة حديث 37 ، والترمذي في تفسير سورة 5 ، باب 3 ، وأحمد في المسند 2 / 313 ، 500 .